ابن الجوزي
30
صفة الصفوة
فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثم نادى بأعلى صوته : ألا ليت عمر لم تلده أمه ، يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها ، ألا من يأخذها بما فيها ولها ؟ ثم قال : يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا . فولّى عمر ناحية مكة وساق أويس إبله فوافى القوم بإبلهم وخلّى عن الرعاية وأقبل على العبادة حتى لحق باللّه عزّ وجل . عن علقمة بن مرثد قال : انتهى الزهد إلى ثمانية منهم أويس القرني ، ظن أهله أنه مجنون فبنوا له بيتا على باب دارهم ، فكانت تأتي عليه السنة والسنون لا يرون له وجها ، وكان طعامه مما يلتقط من النّوى فإذا أمسى باعه لإفطاره فإن أصاب حشفة « 1 » حبسها لإفطاره . فلما ولي عمر بن الخطاب قال بالموسم : أيها الناس قوموا . فقاموا . فقال : اجلسوا ، إلّا من كان من اليمين : فجلسوا فقال : اجلسوا إلا من كان من مراد . فجلسوا . فقال إلا من كان من قرن . فجلسوا إلا رجلا ، وكان عمّ أويس القرني . فقال له عمر : أقرنيّ أنت ؟ قال : نعم ، قال : أتعرف أويسا ؟ قال : وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فو اللّه ما فينا أحمق ولا أجنّ ولا أحوج منه . فبكى عمر ثم قال : بك لا به ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يدخل الجنة بشفاعته مثل ربيعة ومضر » « 2 » . قال هرم بن حيّان : فلما بلغني ذلك قدمت الكوفة فلم يكن لي همّ إلا طلبه ، حتى سقطت عليه جالسا على شاطئ الفرات نصف النهار ، يتوضأ . فعرفته بالنعت الذي نعت لي : فإذا رجل نحيل آدم شديد الأدمة أشعث محلوق الرأس مهيب المنظر ، فسلّمت عليه فردّ علي ونظر إليّ ، ومددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني ، فقلت : رحمك اللّه يا أويس وغفر لك ، كيف أنت ؟ وخنقتني العبرة من حبي إياه ورقّتي عليه ، لما رأيت من حاله ، حتى بكيت وبكى . قال : وأنت ، فحياك اللّه يا هرم بن حيان ، كيف أنت يا أخي ؟ من دلّك عليّ ؟ قلت : اللّه . قال : لا إله إلا اللّه ، سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ سورة
--> ( 1 ) الحشف : أردأ أنواع التمر ، وفي المثل : أحشفا وسوء كيلة . ( 2 ) ذكر طرفا منه الحافظ الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) .